محمد متولي الشعراوي
10438
تفسير الشعراوي
إذن : المطلوب أنْ تُعمِلوا عقولكم لِتُميِّزوا مَنْ مِنّا على الهدى ومَنْ منّا على الضلال ، وكأن رسول الله يرتضي حكومتهم في هذه المسألة ، وما ترك لهم رسول الله الحكمَ إلا وهو واثق أنهم لو تجردوا من الهوى لعرفوا أن الحق معه ، وأنه على الهدى ، وأنهم على الضلال . إذن : عندما تكلم القرآن عن كفار قريش الذين تعنتوا في اقتراحاتهم ، وعاندوا وآذوا رسول الله بكل أنواع الإيذاء ، ومع ذلك حينما تكلم عنهم جاء بأسلوب عام فقال : ( الذين ) ولم يقل هؤلاء ، بل جاء بالقضية العامة ولم يُواجههم بالجزاء مما يدلّ على التلطف في أمر الدعوة ، وهذا نوع من استمالة الخَصْم لنقطع منه شراسة العداء والعناد . لذلك يخاطب الحق تبارك وتعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } [ آل عمران : 159 ] كأنك لم تَلِنْ لهم بطبْعك ؛ لأن عنادهم وأذاهم كان سيُرغم طبْعك على أن تكون قاسياً معهم ولكن رحمة الله شملتْك فَلِنْتَ لهم { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] . هذا يعني أن الداعية لا بُدَّ أن يكون رَحْب الصدر ، رَحْب الساحة ، ذلك لأنه يُخرِج أهل الضلال عما أَلِفوه إلى شيء يكرهونه ، فلا تُخرجهم من ذلك بأسلوب يكرهونه ، فتجمع عليهم شدتين ، إنما تلطَّفْ معهم ، كما قال عَزَّ وَجَلَّ لموسى وهارون عندما أمرهما بدعوة فرعون : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] . لأن الذي بلغ من عناده أنْ يتكبّر لا على المخلوقين أمثاله ، إنما يتكبّر على الخالق فيدّعي الألوهية لا بُدَّ أنْ تأتيه بأسلوب ليِّن لطيف . وفي آية أخرى يُعلِّم الحق سبحانه رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كيف يجادل المشركين ، فيقول سبحانه : { قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا } [ سبأ : 25 ]